25 يناير، 2014

نجاسة الدم عند المسلمين .... لفضيلة الشيخ/ الدكتور على جمعة

الدم نجس عند المسلمين ... الأحكام الشرعية تؤثر في الروح وفي القلب وليس هناك انفصال بين دائرة الاعتقاد ودائرة الامتثال، فالاعتقاد هو الأساس، وهو ما وقر في القلب، ولكن لابد أن يصدقه العمل وهو الامتثال. وتأملت في تحريم الله علينا الدم في قوله تعالى : ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة :173] 
وفي قوله تعالى : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة :3]. 
وقوله سبحانه : ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل :115] 
كما تأملت في حرمة أكل لحم البشر حقيقة ومجازًا في قوله تعالى : ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات :12] وهو يحرم علينا الغيبة والنميمة .
وفي تحريم أكل الميتة، وأكل ما لم يذكر عليه اسم الله، وأن ذلك كله يؤكد توحيد الإله وتعاليه عن البشر، قال تعالى : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [ الإِخلاص :1 : 4]، وقال تعالى : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى :11] وقال تعالى: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام :103].
وجعل الله الاتصال بينه سبحانه وبين البشر عن طريق الوحي، فقال تعالى : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى :51].
وحرم الله علينا أيضا في أحكامه الشرعية أذية الحيوان، فقال صلى الله عليه وسلم : «دخلت امرأة النار في هرة حبستها ولا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» [رواه البخاري ومسلم] وعلمنا أن الكون من حولنا ليس هو محض جماد فقال تعالى : ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء :44]. وقال تعالى : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد :15]. 
وقال تعالى : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان :29], وكان صلى الله عليه وسلم : يحب الريحان، وحن له الجذع فبكى لفارقه.
وكل هذه الأحكام الشرعية والروايات الدينية أنشأت نفسية للمسلم يجعلها هي أبجديته التي يتعامل بها في حياته في جميع مناحيها السياسية، والاقتصادية، والحضارية، والفكرية، والاجتماعية، وغيرها. وظهر هذا في تاريخ المسلمين في كل بلادهم شرقا وغربا.
ولذلك لم نر المسلمين عبر تاريخهم يبيدون الشعوب، أو يستعمرون الناس استعمار هيمنة واستغلال، أو يدخلون البلاد لرفع الطغيان وصد العدوان فيحولونها إلى حمام دم يهون معه الطغيان ويرضى بإزاءه العدوان، ويتمنى الإنسان أن لم يأت ذلك المنقذ الذي اتضح منقذ خسيس من أجل أن يحرره، وأن يدافع عنه.

والسؤال الذي يثير الفكر ويدعو إلى التأمل هو ما الرابطة بين تحريم الدم والميتة واعتبار تسبيح الكون وسجوده، بين عمارة الدنيا وبين استباحة الدم والميتة وبين خراب الدنيا. تأمل. لعل الله أن يفتح عليك.
فتحريم الدم المسفوح ليس من أجل أنه يسبب ضررًا من ناحية الطب بقدر ما أنه يسبب ضررًا من ناحية الأخلاق، والتجرؤ على شكل الدم، وعلى رفع الحاجز النفسي بين الإنسان وبين سفك دماء البشر، وتحريم الخنزير كذلك، فإنه الحيوان الوحيد -كما يقال- الذي لا يغار على أنثاه، وهو أيضا تعود على أكل القاذورات بشكل أساسي.
ويحاول بعضهم -وقد يكون صادقا، وقد يكون غير دقيق- أن يربط بين التحريم وبين الضرر الجسدي، وأن يبحث في حكمة التحريم بالمسائل الطبية، إلا أن التحريم لا يقتصر على هذا الجانب، بل إنه يبني نفسًا، ويعمق شعورًا لدى الإنسان يساعده في نشاطه الاجتماعي، وفي عمارته للدنيا، ولذلك لا يقبل المسلم حلولاً لأزماته الكمية بتحليل الحرام، فقد يقترح بعضهم إذا ما وقع مجتمع ما في أزمة لحوم، أن يربي ذلك المجتمع الخنزير وأن يأكله، فالخنزير كثير التناسل، ونفقته قليلة، ويمكن أن يحل المشكلة بطريقة كمية، ولكن (سلطان الكم) ليس هي كل شيء في هذه الحياة.
ولقد كتب في هذا المعنى رينيه جينو (عبد الواحد يحيى رحمه الله تعالى) كتابه الماتع (سلطان الكم وعلامات الزمان) وهو في نسخته الإنجليزية (The Reign of Quantity & the Signs of the Times) وفيه يبين أن من سمات عصرنا سيطرة الكم على معيار التقويم، فأصبح الكم هو المسيطر على السوق وعلى الاستهلاك، ونشأ من ذلك مفهوم العقد في العلاقات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية.
ومفهوم العقد هذا له شكل حسن في تحديد الأمور، وله مضمون قبيح في القضاء على الود بين الناس، ويجعل الفرق بين الحضارة الشرقية وبين الحضارة الغربية يتمثل في سلطان الكم.
ولقد بدأ الاهتمام يزداد بمؤلفات ذلك المفكر الفرنسي الأصل، المصري الوفاة مؤخرًا بعد أن اهتمت به جامعة السربون كفيلسوف من فلاسفة العصر العظام، فكتب عنه أكثر من مائتي الرسالة للماجستير والدكتوراه، وخرج بأسمائها دليل ضخم في نحو 400 صفحة، وترجم له الأستاذ عمر نور الدين الفاروق في المشروع القومي للترجمة في العدد رقم 530 (مدخل عام إلى فهم النظرات التراثية) ولنفس المترجم ترجمات كتب أخرى لرينيه جينو عسى أن تصدر قريبًا.


منقول من صفحة فضيلة الشيخ بالفيس بوك

شكرا لكم 
منال رأفت

إبحث فى الويب مع جوجل

Custom Search

LinkWithin

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...

التسجيل

ادخل بريدك الإلكترونى و احصل على احدث المواضيع:

Delivered by FeedBurner