12/13/2013

إسم الله البديع ... شرح فضيلة الدكتور على جمعة



مع اسم من أسماء الله الحسنى، ﴿وَلِلهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]. 
نعيش هذه اللحظات، مع اسم من الأسماء التي أوردها سيدنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، في حديثه المشهور الذي أخرجه الإمام الترمذي، عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحد، مَنْ أحصاها دخل الجنة». 
أورد فيها اسمه سبحانه وتعالى: (البديع). والبديع على وزن (فعيل)، وهو وزن في اللغة العربية، يفيد الفاعل والمفعول، والله سبحانه وتعالى هو الذي أبدع الخلق، والإبداع يكون على غير مثال سابق، فالله سبحانه تعالى هو بديع السماوات والأرض، أخرج السماوات والأرض من حد العدم إلى حد الوجود، على غير مثال سابق. 
أخرج بعد ذلك: الشجر والحجر، والإنسان والحيوان، وسائر المخلوقات، بعضها على غير مثال سابق، وبعضها على مثال سابق. 
أما اسمه: (البديع)، فهو يختص بِمَا لا مثال له قبل ذلك، فهو سبحانه وتعالى لا تعجزه هذه الأمور، لا في الإرادة، ولا في القدرة، ولا الخلق، ولا في الإخراج من العدم إلى الوجود. 
هذا ربنا سبحانه وتعالى هو البديع. 
ولا يصلح استعمال هذا التركيب في هذه المرة في اسم المفعول؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا أول له، ولم يبدعه أحد، الله سبحانه وتعالى هو الذي يُبْدِع، وهو الذي يَخْلُق، وهو الذي يصدر منه كل شيء؛ خلقًا، وقدرًا، وتوفيقًا، وهدايةً، وإضلالًا، فقد خلق الخير والشر، وهو بديع السماوات والأرض؛ لكنه لا يتسلط عليه أحد، ولا يقدر عليه أحد. 
هذا الوزن في اللغة العربية: (فعيل) يمكن أن يأتي لاسم الفاعل وحده، ويمكن أن يأتي لاسم المفعول وحده: 
(قتيل) يعني: (مقتول)، لا يعني أبدًا: (قاتل). 
(جريح) يعني: (مجروح)، ولا يعني أبدًا: (جارح). 
ولكن (جبيرة) بمعنى: (الجابرة)، ولا تعني أبدًا: (مجبورة). 
إذن، فهذا الوزن؛ إما أن يكون لاسم الفاعل وحده، ولا يصلح لاسم المفعول، وإما أن يكون لاسم المفعول، ولا يصلح لاسم الفاعل، وإما أن يكون لهما جميعًا. 
وقد رأينا كثيرًا: كيف أنه يكون كذلك مرة للفاعل، ومرة للمفعول، ومرة لهما.
(بديع) من (الإبداع)، والإبداع صار مشكلة عند الإنسان الآن؛ لأن الإبداع لا يقدر عليه الإنسان، إلا إذا كان منطلقًا، لا قيود عليه، وهذا الانطلاق قد يشتبه في بعض الأحيان بِالتَّفَلُّت، وَالتَّفَلُّت: عدم الالتزام. 
وهناك فارق بين الانطلاق، وبين عدم الالتزام (التَّفَلُّت). 
وهناك فارقٌ أيضًا بين الانطلاق، وبين التَّفَلُّت، وبين الحرية. 
وهناك أيضًا فارق وعلاقة بين الإبداع وبين الفكر، وهناك علاقة أيضًا بين الإبداع، وبين الابتداع. 
والإبداع -وهو مشكلة- إذا ما تذكرنا أن الله سبحانه وتعالى هو المبدع، ورأينا في هذا الكون كيف كان إبداعه، وأنه متسق، وأن ورائه حكمة، وأن ورائه غاية، وأن ورائه مصلحة ومنفعة، وأن ورائه الخير، كل الخير؛ فإننا نعرف العلاقة بين الإبداع وبين الابتداع. 
فإذا كان الإبداع؛ إنما فيه انطلاق، وفيه حرية، فيؤدي إلى شيء بديع، لا مثال له سابق، ويكون المبدع هو الذي أنشأه، وهو الذي أوجده. 
كما أوجد المسلمون هذه الخطوط الهندسية، والخط العربي، وهذا الجمال الذي نراه في عمارتهم، وفي أسبلتهم، وفي مدنهم، كيف بنيت، وفي علومهم، كيف دُوِّنت. 
هذا إبداع؛ لكنه إذا كان يتغيا التَّفَلُّت، وإذا كان يريد عدم الالتزام، وإذا كان يريد أن يسير في أي اتجاه؛ سواء أكان عشوائيًّا، أو غير عشوائي، ولا يتغيا المنفعة، ولا الاتساق، ولا الحكمة، ولا أن يكون قد التزم بالخير؛ فإنه يكون ابتداعًا؛ لأنه ابتدع في الأمر، ما ليس منه: «وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»؛ لأنها مؤذية، لأنها نبعت من الشر، لأنها نبعت من التَّفَلُّت، وليست من الحرية، ولا من الانطلاق، ولا من الفكر.
يذكرنا هذا الاسم بهذه المعاني كلها، وأنه إذا أردنا أن نتخلق به، على حد قولهم: «تخلقوا بأخلاق الله سبحانه وتعالى»، وأن يكون هذا النظام لأسماء الله الحسنى عمود تربية لنا؛ فإنه يجب علينا أن نفهم هذه العناصر، وأن نَفْرِقَ بين الإبداع وبين الابتداع، وأن نذكر ربنا سبحانه وتعالى: يا بديع السماوات والأرض.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
#علي_جمعة


منقول عن فضيله الشيخ

شكرا لكم
 منال رأفت



إبحث فى الويب مع جوجل

Custom Search

LinkWithin

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...

التسجيل

ادخل بريدك الإلكترونى و احصل على احدث المواضيع:

Delivered by FeedBurner